محمد جمال الدين القاسمي

409

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

السماء وعدم الصلب . وإلا فلا معنى لظهور هذه الآيات . وثانيها - ما في الإنجيل أيضا أن المصلوب قد استسقى اليهود فأعطوه خلّا مضافا بمر . فذاقه ولم يشربه . فنادى : إلهي إلهي لم خذلتني ؟ والأناجيل كلها مصرحة بأنه عليه السلام كان يطوي أربعين يوما وأربعين ليلة . ويقول للتلاميذ : إن لي طعاما لستم تعرفونه . ومن يصبر على العطش والجوع أربعين يوما وليلة كيف يظهر الحاجة والمذلة لأعدائه بسبب عطش يوم واحد ؟ هذا لا يفعله أدنى الناس ، فكيف بخواصّ الأنبياء ؟ أو كيف بالرب على ما تدعونه ؟ فيكون حينئذ المدعى للعطش غيره . وهو الذي شبه لكم . وثالثها - قوله : إلهي إلهي لم خذلتني وتركتني ؟ هو كلام يقتضى عدم الرضا بالقضاء ، وعدم التسليم لأمر اللّه تعالى . وعيسى عليه السلام منزّه عن ذلك . فيكون المصلوب غيره . لا سيما وأنتم تقولون : إن المسيح عليه السلام إنما نزل ليؤثر العالم على نفسه ، ويخلّصه من الشيطان ورجسه . فكيف تروون عنه ما يؤدي إلى خلاف ذلك ، مع روايتكم في توراتكم أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون ، عليهم السلام ، لما حضرهم الموت كانوا مستبشرين بلقاء ربهم ، فرحين بانقلابهم إلى سعيهم ، لم يجزعوا من الموت ولم يستقيلوا منه . ولم يهابوا مذاقه . مع أنهم عبيده . والمسيح بزعمكم ولد وربّ . فكان ينبغي أن يكون أثبت منهم . ولما لم يكن كذلك دلّ على أن المصلوب غيره ، وهو الذي شبه لكم . فصل فيما روي عن سلفنا الكرام رضي اللّه عنهم في تفسير هذه الآية . قال الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقيّ رحمه اللّه تعالى في ( تفسيره ) هنا ما نصه : وكان من خبر اليهود ، عليهم لعائن اللّه وسخطه وغضبه وعقابه ، أنه لما بعث اللّه عيسى ابن مريم بالبينات والهدى ، حسدوه على ما آتاه اللّه تعالى من النبوة والمعجزات . التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن اللّه . ويصوّر من الطين طائرا ثم ينفخ فيه فيكون طائرا يشاهد طيرانه بإذن اللّه عز وجل . إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه اللّه بها وأجراها على يديه . ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم . حتى جعل نبيّ اللّه عيسى عليه السلام لا يساكنهم في بلدة . بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما السلام . ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان ، وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب ، وكان يقال لأهل ملته اليونان ، وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد